بحث في الموقع

https://idrak4.blogspot.com.eg/

أخر الأخبار

Printfriendly

السبت، 6 يناير 2018

ميادة أبو يونس تكتب عن رسالة الحيوان عند إخوان الصفاء


ميادة أبو يونس

بلا شك أن الدولة العباسية في القرن الرابع الهجري كانت قد بلغت ذروة الانحطاط السياسي و الاجتماعي. و ذلك لأن طبقة الفقهاء و الحكماء التي هي معيار صلاح أو فساد الحاكم كانت شديدة الفساد آنذاك و لأن صلاح الحاكم أو طلاحه مرهون باستقامة أو اعوجاج هذه الطبقة فقد جاءت رسالة الحيوان بمثابة صفعة الإفاقة على وجه هؤلاء. إذ تمثل الرسالة دعوة إصلاحية للإنسانية بشكل عام و للساسة بشكل خاص فيدعو إخوان الصفا من خلالها إلى ضرورة تقويم السلوك الأخلاقي و السياسي للحاكم و الرعية فصلاح الرعية رهين بصلاح الساسة و الحكام.  اتبع إخوان الصفا أسلوب التقية الذي كان سائدًا في ذلك الوقت, الذي يحتجب فيه الكاتب أو الفيلسوف خلف مجموعة من الشخصيات الخيالية أو الحيوانية و لعل أشهر من أستهلك هذا الأسلوب ابن المقفع في رائعته الشهيرة كليلة و دمنة. و تعد التقية أحد أهم الأساليب الأدبية التي نشطت في أثناء الخلافة الإسلامية و خاصة العصر العباسي الذي اشتهر بظلم ساسته..
استطاع إخوان الصفا تلخيص الصراع الدائر بين مملكة الخير و مملكة الشر أو ما يسمى بصراع الفضائل و الرذائل.  فعالم الشر متمثل في عالم الإنس المستبد الظالم المدافع عن الخطيئة و الشهوة بشكل عام, فالإنسان يريد السيطرة على عالم الخير المتمثل في الحيوان المدافع عن الفضيلة و العدالة مستنكر على الإنسان رذائله و فساده, ففي الوقت الذي يدافع فيه الحيوان عن الحرية و الوفاء و الشجاعة و النبل و العمل المتفاني و القوة و الحكمة, بينما يدافع ممثل الإنس عن كافة معاني الشر و الاستعباد و شهوة السيطرة و الحكم حتى و إن كان هذا على حساب ظلم العباد و احتكارهم.
تصف الرسالة حياة جزيرة نائية يسكنها الجان و الحيوان قبل غزو الإنسان لها, و كيف كان يحكمها الجان في سلام و يعيش فيها الحيوان في هدوء و أمان,  و كيف كانت هذه الجزيرة طيبة الهواء نقية, بها كافة الأشجار و الثمار و الأنهار و الأنوار حتى  قامت العاصفة و طرحت الرياح مركب بني الإنسان. فاستحال كل شيء إلى نقيضه إذ تحول الأمان إلى فوضى. و تبدل السلام إلى ظلم و طغيان مارسه الإنسان على غيره من الكائنات من الجن و الحيوان. فيقرر كلا من الجان و الحيوان رفع شكايتهم إلى القضاء.. و على ما يبدو أن هذه الكلمات القليلة تدل على كثير من الرموز, فهذه الجزيرة كناية عن العراق، هذه الأرض المكتظة بالثمار و الأنوار تمثل الكنوز الثقافية و الحضارية للعراق فكانت هذه الأرض منارة للعلم و الثقافة على مر الأزمان و العصور,  بينما يمثل ملك الجان  حكم البويهيين الشيعة الذين كان لهم أحقية الملك و السيطرة قبل طغيان بني العباس في العراق. و بني العباس هنا ممثلهم هو "الإنس" و الحيوان يمثل باقي الطوائف و الطبقات المختلفة من عامة الشعب, أما انسجام هذه الحيوانات على تعدد أنواعهم فهو إشارة إلى الانسجام بين الطوائف و المذاهب المتعددة, فنحن نعلم أن العراق في ذلك الوقت كانت و لا تزال من أكثر البلدان التي يكثر بها الأديان و الفرق السنية و الشيعية و بها المذاهب الأربعة و كل هذه المذاهب و الطوائف لها مريديها و المدافعين عنها بشتى الطرق فقد كثرة أيضا الفرق الكلامية كالمعتزلة و صراعهم مع الأشاعرة و صراع الأشاعرة مع الحنابلة و صراع الشافعية مع المالكية, فإن هذه الفترة من أكثر الفترات التي تصارعت بها الفرق و المذاهب فلا شك أن هؤلاء الحيوانات بأحجامها المختلفة تمثيلا عن هذا الصراع و كل كائن من تلك البهائم صغره دليل على قلة مريدين هذه الفرقة أو المذهب و لكن قلة اتباعه ليست انتقاص من فصاحته البلاغية التي عبر عنها إخوان الصفا خلال المحاكمة.  و ربما تشير هذه الكائنات الصغيرة إلى عظم الحيلة مع صغر الجثة, لتظهر غباء المغتر بقوته. على حين تمثل العاصفة النزاعات و التمزقات السياسية التي انجبت الحكم العباسي, بينما يمثل الإنسان الظالم, العباسيين المخادعين الذين اعتلوا المناصب العليا لإدارة البلاد بعد خداعهم للفرس المعاونين لهم أمام الدولة الأموية فلولا هؤلاء الشيعة ما كان للخلافة العباسية من وجود. و أخيرًا فإننا نخلص إلى نتيجة هامة ألا و هي أن صلاح الحاكم رهين بصلاح الفقهاء و الوزراء فهذه الفئة تشكل عقلية و وعي الحاكم, فمدى ذكاءه يتوقف على كم الدهاء و المكر اللذان يتمتع بهم وزراءه, و حكمته رهينة خبراتهم و قدراتهم العقلية, أما إذا فسدت هذه الطبقة و حل محل إخلاصهم و فطنتهم, الفيالة و سوء القول يلزم وقتها أن يكون الحاكم صاحب رأي أهوج و قرارات حمقاء و أحكام خاطئة مما يعود بالسلب على الرعية كلها.


  • تعليقات المدونة
  • تعليقات الفيس بوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Item Reviewed: ميادة أبو يونس تكتب عن رسالة الحيوان عند إخوان الصفاء Description: Rating: 5 Reviewed By: ادراك للدراسات الانسانية
Scroll to Top